محمد بن جرير الطبري
238
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فتأويل الكلام إذن : من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالايمان ، موقن بحقيقته صحيح عليه عزمه غير مفسوح الصدر بالكفر لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الايمان وباح به طائعا ، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم . وبنحو الذي قلنا في ذلك ورد الخبر عن ابن عباس . حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه ، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم . فأما من أكره فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو بذلك من عدوه ، فلا حرج عليه ، لان الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) * . يقول تعالى ذكره : حل بهؤلاء المشركين غضب الله ووجب لهم العذاب العظيم ، من أجل أنهم اختاروا زينة الحياة الدنيا على نعيم الآخرة ، ولان الله لا يوفق القوم الذين يجحدون آياته مع إصرارهم على جحودها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون ئ لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) * . يقول تعالى ذكره : هؤلاء المشركون الذين وصفت لكم صفتهم في هذه الآيات أيها الناس ، هم القوم الذين طبع الله على قلوبهم ، فختم عليها بطابعه ، فلا يؤمنون ولا يهتدون ، وأصم أسماعهم فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى ، وأعمى أبصارهم فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر ومتعظ . وأولئك هم الغافلون يقول : وهؤلاء الذين جعل الله فيهم هذه الأفعال هم الساهون عما أعد الله لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم . وقوله : لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون الهالكون ، الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من كرامة الله تعالى . القول في تأويل قوله تعالى :